مَوْتُ أَبِي هَدَّني! أَعْرَى روحي، وكشف ضعفي، وهزَّ كِياني، وفتَّت قلبي، وزرعَ بي خَوفًا لا يزول مِن بعد أمان، ووَحشة مِن بعد أُنس واطمئنان، واحتياج إلى معنى كلمة "حنان". رحل مِن الدنيا لكنه باقٍ في قلبي، نَسِيَهُ بعض الناس ولكنه خالدٌ بداخلي ما بَقِيَ عُمري؛ باقٍ كُلُّه.. بثيابه وعِطره وخطواته وضحكاته وأَثَر كلماته وذِكراه وكُلّ تفاصيله التي لا يستطيع أَنْ يمحوها زمن، أو يغيِّبها تعب، أو يفصلني عنها غير لَمْسته واحتضانه.. كانَ طيِّبًا ولم أَرَ بعده طِيبة، وحَنونًا في زمن أصبحت فيه الناس قاسية غريبة، وسَنَدًا.. قَولًا وفِعلًا، ولم يكسر خاطرًا لأحدٍ مهما كان. والله، منذ أن غاب عنِّي.. وأنا أنتظر عودته وكأنه مَسافرٌ وسيعود! نعم، إنك تستطيع أن تتأقلم على شيءٍ مُعين، بل وعلى كل شيء.. سواء أكان بالقَبُول منك أم بالرفض، إلَّا مَوت أبيك؛ قلبك يرفُض، وعقلك لا يُصدِّق، وروحك على النسيان تتمرَّد، وتبقى بمُفردك مِسكينًا.. وإن كان العالم كله بجوارك، مَسجونًا في تفاصيله، عالِقًا في ذِكراه، مُشتاقًا إليه، يُجَنُّ به جنونك ليلَ نهار إلى أَنْ تلقاه.. فَرَحِمَ الله مَن فَارَق جِواري وهو الآن بجوار ربه.. كان أجمل ما يميِّزه: أنه -بمعنى الكلمة- "إنسان"، فيا رَبِّ.. اغفر له وارحمه واعفُ عنه عفوًا يليق بكرمك، وارزقهُ أعلَى الجِنان.. #كومنتاتك